يوم غير عابر-دراما من فصل واحد / نص : زيد الحمداني
:
تاريخ ووقت النشر : الإثنين 31-05-2010 03:30 مساء
احداث ذلك اليوم كنت قد سمعتها من احد الذين عاشوا جزءا منها, فوفاءا لذكراهم وتطهيرا لذلك الصمت الذي كنا نلتفع به لإتقاء قسوة تلك الايام المريرات كتبت هذه الدراما.
الشخصيات:
السجين العجوز
ابنته
صديقه
حراس
شخصان مسؤلان عن تنفيذ الاحكام
المشهد الاول
( زنزانه قذره وملطخة الجدران ببقع داكنة اللون وهناك كتابات خطت على تلك الجدران بطريقه مشابهه للخطوط المسماريه القديمه وفي حائط الزنزانه المقابل للجمهور هناك فتحه صغيره للتهويه وتحت تلك الفتحه سرير حديدي عليه بعض الاغطيه ويجلس عليه سجين عجوز بملابس حمراء فاقعة اللون)
السجين العجوز:
يسرقون وطنا باكمله ولما نريد ان ننعم ببعض حقوقنا في ذلك الوطن يتهمونا بالخيانه وسرقة اموال الدوله ( يبتسم هازءا) اي دولة هذه واي اموال يتحدثون عنها
(يتابع حديثه بعد أن يستند بصعوبة على احدى يديه وتمسك يده الاخرى بحافة السرير ويعتدل واقفا ليتجه نحو باب زنزانته حيث يمسك قضبانها بوهن ظاهر)
ايها السجانون المخدوعون انا هنا قابع في سجني الصغير وانتم قابعون في سجنكم الكبير وسجانكم الاكبر سجين ايضا, سجين الخوف من ضحاياه فلا يقدران ينعم بالنوم ساعة واحده وكلما جاء ليغمض عينيه تاتيه ارواحهم التي ازهقها ظلما لتنذره بيوم الخلاص ونهاية حكمه البغيض.
(يقترب احد الحراس من الزنزانة بعد ان سمع صوت السجين العجوز)
الحارس:
مالك تهذي ايها العجوز؟
السجين العجوز:
اريد ان اخرج من هذه الزنزانه العفنه حتى لو اعدمتموني الان فانتظار الموت في هذا المكان اشد هولا من الموت نفسه
الحارس:
لو كان الامر بيدي لنفذت فيك الحكم في هذه الساعه ولكنك تعلم ان حاكمنا حفظه الله لايصادق على اعدام اي مواطن الا بعد ان يتيقن من ذنبه
السجين العجوز:
( بجدية مصطنعه) اكاد اجزم بانه متيقن من ذنب عشرين مليون مواطن
الحارس:
ايها المفتري لو كان الامر كذلك لنفذ فيك الحكم من اول يوم جئت به الى هنا
السجين العجوز:
كان ابي يجلب لنا خروف العيد قبل اسبوع من ذبحه
الحارس:
هذا اعتراف منك بأن الناس يملكون مايكفي لشراء الخراف واللهو في الاعياد وتقولون ان البلد يعيش في ازمه اقتصادية خانقه وان الدولة تستولي على اموال المواطنين بالباطل ايها المنافقون!
السجين العجوز:
ياولدي حال الرخاء هذا كان سائدا في بلدنا قبل خمس عقود من الزمان وليس الان ويومها كان حاكمنا مايزال يتغذى على حليب امه ( يغمز للجمهور) ان كانت ترضعه من حليبها
الحارس:
والله لولا ذلك الشيب الذي يكسو رأسك لكنت قد كسرت فكك ايها المتآمر العجوز ( ينظر اليه بتعال وعجرفه) ولكنا لسنا مثلكم فنحن نخاف ربنا
السجين العجوز:
(يخاطب الجمهور وهو يشير بيديه اليهم تارة والى نفسه تارة اخرى) كلنا نخافه وماعلمنا ان لنا في ذلك الوطن من رب غيره
الحارس:
اذا سمعت لك صوتا مرة اخرى ساشبعك ضربا ولن ارحمك ايها العجوز الثرثار
السجين العجوز:
طيب, فقط اخبرني هل هناك زياره اليوم؟
الحارس:
نعم بعد ساعه من الان
(يختفي الحارس ويعود السجين العجوز مرة اخرى ليجلس على ارض الزنزانة ويسند راسه على الجدار ويغمض عينيه)
إظلام
المشهد الثاني
( تفتح الستاره وتظهر قاعه كبيره نوعما ومضاءه بصورة جيده, يظهر مجموعه من السجناء وبينهم السجين العجوز يجلسون على مصاطب خشبيه مرتبه بصفوف عمودية على اتجاه الجمهور و يفصل بين كل صفين من المصاطب طاولات خشبيه ذات مساند حديديه ترتبط مع مساند المصاطب مما يجعلها تعمل كوحده واحده, يدخل بعض الزوار من ذوي السجناء ومن بينهم ابنة السجين العجوز وصديقه ويتجهان الى الطاوله التي يجلس عليها )
(تهرع الابنه وتحتضن اباها بقوه لبرهة من الزمن ويضل الصديق واقفا على بعد عدة خطوات يرقب ذلك العناق المصحوب ببعض النشيج بين الاب وابنته وبعدها يقترب منهم )
الصديق:
( يصافحه بحراره ) كيف حالك يااستاذ (وقد اعتاد ان يخاطبه بتلك الصفه احتراما لمركزه ولفارق العمر الذي يفصل بينهما على الرغم من صداقتهما الحميمه) شدة وتزول انشاء الله وستظهر براءتك لامحاله
السجين العجوز:
الحمدلله على كل حال, ستظهر براءتي بكل تاكيد يوما ما, حتى ولو نفذوا فينا الحكم ظلماا
الابنة:
(تبكي باسى وحرقه) فدتك روحي ياابي
السجين العجوز:
الله يحرسك ياابنتي خبريني كيف حال حفيدي الصغير؟ قولي له ان جدك مشتاق اليك جدا
الابنة:
( وهي تغالب دموعها) اتدري ياابي البارحه انشغلت عنه لبرهه ولما بحثت عنه وجدته يجلس على كرسيك ويمسك بقلم وكراس ويضع غليونك في فمه! ويقولي لي اريد ان اصبح محاميا مثل جدي
( اخذت الابنة تجهش بالبكاء وجلست بعيدا عن السجين العجوز وصديقه اللذان عادا للحوار ولكن بصوت خافت نوعما)
الصديق:
لقد المني جدا اعتقالك المفاجئ يااستاذ ولم اجد له تفسيرا
السجين العجوز:
( بلهجة المتيقن من شئ) ابن حاكم البلاد وراء كل مايجري لنا
الصديق:
وكيف ذلك؟
السجين العجوز:
حين ادرك بأن شركتنا تحقق ارباحا واصبحت تنافس في السوق الذي كان يخطط ان يستولي هو بنفسه على كل ارباحه اخذ يكيد لنا ويدبر الامر لازاحتنا
الصديق:
ولكنكم تعملون وفق القانون ولم ترتكبوا اي جنايه
السجين العجوز:
واي جناية ارتكبها مئات بل الالاف من راحوا ضحايا لبطش تلك الزمرة الحاكمه!
السجين العجوز:
لاداعي ان اوصيك على بناتي فمالهم بعد رحيلي من كبير يلجأون اليه غيرك ياصديقي المخلص
الصديق:
سمعا وطاعه يا استاذ وعسى الله ان يزيح عنك هذه المحنه ويخرجك منها سالما
السجين العجوز:
هناك شئ هام اود ان اخبرك به وستجده مكتوبا في وصيتي ايضا
الصديق:
(ينصت باهتمام) تفضل اسمعك
السجين العجوز:
مكتبتي ومافيها من كتب ستكون انت القيم عليها لانك تعرف ماتعني لي تلك المكتبه ( باسى) والله انا افتقدها كانها احد ابنائي
الصديق:
وانا افتقد تلك الساعات الرائعه التي كنا نقضيها في تلك المكتبه نتصفح كتبها ونناقش مافي تلك الكتب من مبادئ وافكار (بحسره على شئ حرم منه قسرا) مااعمق المعرفه التي منحتنا اياها تلك الساعات
السجين العجوز:
المعرفه ياصديقي قوه لذلك هم يخافون منا وسيبقون خائفين مادام هناك من يقرأ في هذا الوطن
( في تلك الاثناء يدخل ثلاثة حراس ويعلنون بأن الوقت المحدد للزياره اوشك على الانتهاء, فتهرع الابنة لتحتضن اباها بقوه)
الابنه:
ارجوك عد لنا ياابي ارجوك ليس في هذه الحياة مايغري بالبقاء الا لحظات صادقه كنا نعيشها في كنف محبتك
( يقترب الصديق من السجين العجوز وقد بدا متاثرا جدا للحظة الوداع )
السجين العجوز:
( يبتسم بامل شجاع ) لاتحزن ياصاحبي فغدا سالتقي بالمعري والسياب وابن عربي وكل من احببناهم وقرأنا لهم
( يقترب احد الحراس ويسحب السجين العجوز من احضان ابنته وصديقه وهو ينظر اليهم نظرة مودع)
إظلام
المشهد الثالث
(يفتح الستار وتظهر غرفه شبه مظلمه على الجانب الايمن للمسرح في وسطها منصه خشبيه يتدلى من السقف وبصورة عموديه عليها حبل غليظ معقود من احد اطرافه بكلاب حديدي مثبت بسقف الغرفه ومعقود من طرفه الاخر ايضا على شكل دائرة محيطها مقارب او اكبر بعض الشي من محيط الرقبه البشريه ويظهر شخصان يقومان بتفحص الحبل والمنصه, تتجه الاضاءه الخافته من هذه الغرفه الى غرفه مجاورة تقع على الجانب الايسر من المسرح حيث يجلس السجين العجوز على طاوله خشبيه طويله وبمواجهة الجمهور وهو مكبل اليدين)
السجين العجوز:
( ناظرا الى سقف الزنزانه كانه يبحث عن السماء التي حجبتها كتل الاسمنت والحديد) الهي انا اعلم بان هذا العالم سجن كبير و كل مظاهر الحياة التي من حولي تتجه الى الموت وان لم أمت اليوم فغدا او بعد غد فالموت هو الحقيقه الوحيده التي لم يتزحزح ايماني بصدقها منذ ان وعيتها وفهمتها, وحين ارحل عن هذا العالم الغادر سوف تزول كل الالامي واتحرر من قيود الجسد التي تسلط على نفسي وعقلي هواجس الخوف من العذاب والالم الذي يتوعدني به الجلادون, وان كان هناك مايستحق الحياة فهو اني كنت اود لو يمتد بي زمني حتى اشهد نهاية الاستبداد والطغيان
(يدخل الشخصان اللذان كانا في الغرفه شبه المظلمه الى الغرفة التي يجلس فيها السجين العجوز )
الشخص1:
هيا تهيأ سيتم تنفيذ الحكم فيك الان
السجين العجوز:
اريد ان اصلي ركعتين امنحني الوقت لذلك
الشخص2:
لن تبعدك الصلاة عن اجلك المحتوم الا دقائق معدوده (يصمت برهة) مع ذلك سنمنحك بعض الوقت لتصلي
( يتوجه السجين العجوز نحو القبله ويشرع في الصلاة بهدوء وسكينه ويطيل الدعاء بعض الشئ في سجوده الاخير وبعد ان يفرغ من صلاته يتعاون الشخصان على اقتياده الى الغرفه المجاورة)
الشخص1:
هل انت خائف؟
السجين العجوز:
انتم خائفون اكثر مني
الشخص2:
ومما نخاف (بسخرية وتهكم) لاتقل لي من الله
السجين العجوز:
بل خائفون من النهاية نفسها وبنفس الحبل الذي سوف تعلقوني منه (بيقين راسخ) نهايتكم قريبه صدقوني
الشخص1:
اتدري ايها العجوز الابله باني سمعت نفس الكلام قبل عشرين عاما من هالك مثلك ( يقهقه بعصبية ظاهره)
الشخص2:
هيا يكفي كلام ( يمسك بذراع السجين العجوز ويجره الى المنصه الخشبيه) ساضع قطعة القماش هذه حول عنقك ( يتكلم ببرود ولامبالاة) كي لا يقطع الحبل المشدود رقبتك بعد شنقك
السجين العجوز:
(بثبات وسكينة) طيب ضعها
(بعد لف الحبل حول عنقه يتراجع الشخصان بضعة امتار الى الخلف وتعم سكينة الفناء المسرح قبل ان يشق السجين العجوز تلك السكينه)
السجين العجوز:
اللهم تقبلني عندك شهيدا ومغدورا به ( بنبرة مسموعه) اشهد ان لا اله الا الله وأشهد …….