هاملت...بين المشاكل النفسية والشخصية المركبة / حيدر عبدالله ألشطري
:
تاريخ ووقت النشر : الإثنين 31-05-2010 02:56 مساء
نتيجة للتركيبة النفسية ذات الخصوصية العالية التي تحدد ملامح هاملت ولما تتمتع به هذه الشخصية من مواصفات تجعل منها جاهزة دائما لأن تخضع لمنطق التأويل والتفسير من زوايا متعددة وكثيرة ,لذلك ادعى الكثير من الأمم انتماء هاملت لها على الرغم من خلقته الدنماركية الحقيقية والتي أرادها له شكسبير ,فقد اعتقد الانكليز انه سيد إليزابيثي والأسبان يقولون انه يمثلهم والروس هم أكثر الناس تأثرا به والعرب جعلوا منه عربيا (في تجربة الفنان العراقي سامي عبد الحميد ).
وكل ذلك يأتي من التحليلات النفسية والتفسيرات التي تعتمد على سمات تركيبته الشخصية وهنا يرى الناقد الانكليزي جون دوفر ولسون إن هذه عملية غير صحيحة فهو يقول(إن أي دراسة سيكولوجية محضة لهاملت هي دراسة ناقصة ومضللة وأنا احذر عن ذلك ).
وهنا لاتكتمل مقومات هذه الدراسة على اعتبار إن شخصية هاملت هي شخصية ليس لها تاريخ ورجل ليس حيا كنابليون مثلا .
ومن جانب آخر نرى إن ت.س.اليوت ذهب إلى ابعد من ذلك حيث انه استطاع أن يتناول هاملت سيكولوجيا وبمبررات مقنعة جدا وذلك عندما استطاع أن يجره باتجاه خالقه شكسبير حتى يضع له بعدا تاريخيا وبالتالي يستطيع أن يحلل شخصيته نفسيا وتلك التفاتة واعية فهو يقول ( يجب التوحيد بين هوية هاملت وهوية خالقه ..أي إن حيرة هاملت لغياب المعادل الموضوعي لمشاعره إنما هو امتداد لحيرة خالقه ).
وبعد كل ذلك فأنه من المفيد جدا أن نتطلع إلى هاملت من هذه الزاوية فأن مايميزه عن الآخرين هو طبيعة وتكوين شخصيته المميزة وانه لايمكن تجاهل ذلك عند أي دراسة تحليلية له كما لايمكن تجاوز كونه حمل على كاهله عبئا مأساويا هائلا ينوء الكثيرين من حمله ...( فالزمان مضطرب ..ياللكيد اللعين أن أكون أنا قد ولدت لأصلح منه اضطرابه ).
وهكذا يتضح حجم المعاناة الكبيرة التي يعانيها هاملت ذلك الأمير الجميل المدلل الذي لم يخلق مثله لهكذا آلام مرة أثرت على نفسيته وأشعرته بالمرارة وحولته إلى إنسان مضطرب وقلق يبحث عن الحلول التي يصعب عليه إيجادها .
وإذا ما تتبعنا المسيرة المؤلمة المشوبة بالمشاكل التي يتعرض لها هاملت والتي تترك ظلالا قاتمة على نفسيته المتعبة فأن أول ما يصادفنا ذلك البؤس الذي بدأ يعتريه وترنيمة الحزن والأسف التي صارت واضحة عليه وذلك عند إحساسه بان عرشه قد اغتصب منه بعد موت أبيه وأنه ظلم
فنراه يقول لهوراشيو (وا أسفاه هوراشيو لست ادري لماذا اشعر بالبؤس منذ وفاة والدي في حين إن أمي نسيته سريعا ونسيه الملك بأسرع منها).
ثم ننتقل إلى مرحلة الطيف الذي قلب كيانه رأسا على عقب فانكسر قلبه وشوشت أفكاره فلقد جاءه ليضيف إلى همومه الكثير وخاصة إن الطيف لم يدله على خارطة طريق واضحة يمشي عليها .
ومن المشاكل النفسية التي كان يعاني منها هاملت هي كونه وحيدا يجابه وضعا مأساويا كبيرا فلقد كان قلقه بإقناع نفسه أولا بأن تلك هي قضية ثأر شخصي يعنيه هو وحده لاغيره ولم يكن همه أن يقنع الآخرين بذلك خصوصا وأن هناك قضية مهمة أخرى وهي إن شرف العائلة المالكة يجب أن لا يلطخ بالرذيلة أمام الآخرين وعليه أن يتحمل ذلك لوحده أيضا وكتمان وتجنب ذلك الأمر.
وهكذا نصل إلى مشكلة نفسية أخرى أخذت تتسلل إلى هاملت وهي مشكلة الشك التي ألقاها عليه الطيف فكيف له أن يصدق شبحا يوضح له حقيقة خطيرة ,كل ذلك ترك ملامح عجز عن أداء تلك المهمة الصعبة أخذت تظهر عليه وبما انه لا مفر من ذلك فما عليه سوى اللجوء إلى وسائل أخرى قد تسعفه في الوصول إلى هدفه فنراه يلجأ إلى أسلوب المراوغة والحيلة وما مشهد التمثيلية إلا خير مثال على ذلك .
وتستمر مسيرة السلوك المضطرب والذي لايتصف بالاتزان عند هاملت حتى نصل إلى مشكلة التظاهر بالجنون التي يضطر لها في محاولة منه للهروب من واقع مؤلم لا يستطيع تحمله وهو بذلك يوهم نفسه باتجاه مشكلة أكثر صعوبة .
ومن ثم نراه قد وصل إلى أقصى درجات اليأس حتى بدت ملامح المرض تتضح على محياه عندما تقول عنه اوفيليا (سترته مفككة الأزرار كلها ورأسه حاسر وجورباه الملوثات بلا رباط يسقطان إلى كاحليه كالقيود ووجهه في مثل شحوب قميصه ).
ويتقدم شكسبير في تمزيق حالة هاملت الذهنية فيقول على لسانه ( أيها الضعف اسمك المرأة ) وهذه أوضح صورة له تدل على عقدة نفسية تشكلت عنده مؤخرا نتيجة خيانة أمه وانسحبت على المرأة التي يحبها وتوقف عن ذلك , وهنا تظهر صورة أخرى مرسوم على صفحتها ابلغ معالم الانهيار والاضطراب عندما تروي اوفيليا لأبيها عن هاملت (تنهد تنهدة عميقة جارحة كأنها تحطم الجسد منه برمته وتنهي كيانه .....بدا لي إذا أدار رأسه على كتفه كأنه يرى طريقه دون عينيه لأنه خرج من الباب دون عون منهما مسددا شعاعهما إلي حتى النهاية .
وهكذا كان يعمل ذهن هاملت بوتيرة عالية من التوتر والارتباك والضغط النفسي المتواصل الذي قاد المأساة نحو مسارات جعلت منها خالدة وشخصية مثيرة للجدل لما تتصف به من تصرفات وانفعالات مرضية أعطت لها دون غيرها من شخصيات شكسبير التي برع في تصويرها ورسم ملامحها الكثير من الاهتمام والدراسة والبحث في مكنوناتها وستظل مادة ثرية تغني الباحثين ولا يمكن أن تنتهي عند نقطة معينة أو تتحدد بمنهج واحد أو تناول معين دون غيره.